أحمد الفاروقي السرهندي

218

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

مسلم وتضليله بمحض التّعنّت والتّعصّب فما العلاج لو لم يكن المقول فيه قابلا للتّكفير ومستحقّا للتّضليل يرجع ذاك الكفر والضّلال بالضّرورة إلى أرباب ذاك القول ويتّصل من المرميّ بالكفر إلى الرّامي به كما ورد في الحديث النّبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ « 1 » ( ولنرجع ) إلى أصل الكلام فنبيّن الشّقّ الثاني ونقول : لو لم يكن للطّاعنين هذا الإعتقاد في حقّ صاحب هذا الحال ولا يوصلون معاملته إلى حدّ الكفر فحالهم أيضا لا يخلو من أحد الحالين إمّا أن يحملوا واقعته على الكذب والبهتان فهذا عين سوء الظّنّ بالمسلم وهو محظور عنه شرعا وإمّا أن لا يحملوا على الكذب والبهتان وأن لا يظنّوه معتقدا للشّركة والمساواة فحينئذ ما وجه الطّعن والملامة وما سبب تشنيعه وتعييبه فإنّ اللّائق بالواقعة الصّادقة أن يحمل على محامل صحيحة لا أن يشنّع صاحبها ويقبّح ( فإن قيل ) ما وجه إظهار مثل هذه الواقعة الموجبة للفتنة ؟ ( نقول ) إنّ ظهور مثل هذه الأحوال من مشائخ الطّريقة كثير الوقوع وذلك عادة مستمرّة لهم وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام ولا يكون بلا نيّات حقّانيّة وإرادة صادقة والمقصود من هذه الكتابة أحيانا إظهار أحواله الموهوبة عند شيخه ليبيّن صحّة حاله وسقمه وليطلعه على تعبيره وتأويله وأحيانا ترغيب الطّلاب والتّلامذة وتحريضهم وأحيانا لا يكون مقصود من الكتابة لا هذا ولا ذاك بل يورده في هذا القيل والقال مجرّد السّكر وغلبة الحال ليتنفّس ممّا به قليلا وليخفّف عن نفسه لمحة ومن كان مقصوده من إظهار أمثال هذه الأحوال الشّهرة وقبول الخلق فهو مدّع بطّال وهذه الأحوال استدراج عليه ووبال ومتضمّنة لخذلانه وأنواع الأهوال رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 2 » وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لامّارة بالسّوء الّا ما رحم ربّي إن ربّي لغفور رحيم ( وسألتم ) أيضا أنّه ما السّبب في أنّ الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات والأولياء عليهم الرّضوان يبتلون في الدنيا بأشدّ البلاء والمصائب والمحن كما قيل : إنّ أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل وقال اللّه سبحانه وتعالى في كتابه المجيد ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) ويفهم من هذه الآية الكريمة أنّ كلّ من يكون اكتسابه للسّيّئات أكثر يكون موردا للمصيبة في الأكثر فينبغي أن يبتلى بأشدّ البلاء والمصيبة غير الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وغير الأولياء عليهم الرّضوان دون الأنبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا إنّ هؤلاء الكبراء محبوبو الحقّ سبحانه أصالة وتبعا ومن خواصّ مقرّبيه تعالى فكيف يصحّ إحالة البليّات والمحن إلى المحبوبين وخواصّ المقرّبين وبأيّ وجه يجوز أذاهم وكيف يستقيم كون الأعداء في راحة ونعيم وإقامة الاحبّاء في بليّات وعذاب أليم ( اعلم ) أرشدك اللّه وهداك سواء الصّراط أنّ الدنيا ليست بموضوعة للتّنعّم والتّلذّذ وإنّما المعدّ للتّنعّم والتّلذّذ هي الآخرة

--> ( 1 ) البقرة : 286 ( 2 ) آل عمران : 8